أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
77
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأمّا قراءة بقية السبعة فكفل مخفف عندهم متعدّ لواحد وهو ضمير مريم ، وفاعله « زَكَرِيَّا » ، ولا مخالفة بين القراءتين ؛ لأنّ اللّه لمّا كفّلها إياه كفلها ، وهي في قرءاتهم ممدود مرفوع بالفاعلية . وأمّا قراءة « أكفلها » فإنه عدّاه بالهمزة كما عدّاه غيره بالتضعيف نحو : خرّجته وأخرجته ، وكرّمته وأكرمته ، وهذه كقراءة الكوفيين في المعنى والإعراب ، فإنّ الفاعل هو اللّه تعالى ، والمفعول الأول هو ضمير مريم والثاني هو « زَكَرِيَّا » . وأمّا قراءة : « وكفلها » بكسر الفاء فإنها لغة في كفل ، يقال : كفل يكفل ، كقتل يقتل ، وهي الفاشية ، وكفل يكفل كعلم يعلم ، وعليها هذه القراءة ، وإعرابها كإعراب قراءة الجماعة في كون « زَكَرِيَّا » فاعلا . وأمّا قراءة مجاهد فإنها كلّها على لفظ الدعاء من أمّ مريم للّه تعالى بأن يفعل لها ما سألته . و « رَبُّها » منصوب على النداء أي : فتقبّلها يا ربّها وأنبتها وكفّلها يا ربّها . و « زَكَرِيَّا » في هذه القراءة مفعول ثان أيضا كقراءة الكوفيين . وقرأ حفص والأخوان : « زَكَرِيَّا » بالقصر حيث ورد في القرآن ، وباقي السبعة بالمدّ ، والمدّ والقصر في هذا الاسم لغتان فاشيتان عن أهل الحجاز . وهو اسم أعجمي فكان من حقّه أن يقولوا فيه : منع من الصرف للعلميّة والعجمة كنظائره ، وإنما قالوا : منع من الصرف لوجود ألف التأنيث فيه . إمّا الممدودة كحمراء أو المقصورة كحبلى ، وكأن الذي اضطرهم إلى ذلك أنهم رأوه ممنوعا معرفة ونكرة ، قالوا : فلو كان منعه للعلمية والعجمة لانصرف نكرة لزوال أحد سببي المنع ، لكن العرب منعته نكرة ، فعلمنا أنّ المانع غير ذلك ، وليس معنا هنا ما يصلح مانعا من صرفه إلا ألف التأنيث ، يعنون التشبيه بألف التأنيث ، وإلّا فهذا اسم أعجمي لا يعرف له اشتقاق حتى يدّعى فيه أن الألف فيه للتأنيث . على أن أبا حاتم قد ذهب إلى صرفه نكرة ، وكأنه لحظ فيه ما قدّمته من العجمة والعلمية لكنهم غلّطوه وخطّؤوه في ذلك . وقال الفارسي فأشبع فيه القول : « لا يخلو من أن تكون الهمزة فيه : للتأنيث أو للإلحاق أو منقلبة ، ولا يجوز أن تكون منقلبة ؛ لأنّ الانقلاب لا يخلو من أن يكون من حرف أصلي أو من حرف الإلحاق ، ولا يجوز أن يكون من حرف أصلي لأنّ الياء والواو لا يكونان أصلا فيما كان على أربعة أحرف ، ولا أن يكون من حرف الإلحاق لأنه ليس في الأصول شيء يكون هذا ملحقا به وإذا ثبت ذلك ثبت أنها للتأنيث ، وكذلك القول في الألف المقصورة » . وهذا الذي قاله أبو علي صحيح لو كان فيما يعرف له اشتقاق ويدخله تصريف ، ولكنهم يجرون الأسماء الأعجمية مجرى العربية بمعنى أن هذا لو ورد في لسان العرب كيف يكون حكمه ؟ وفيه بعد ذلك لغتان أخريان ، إحداهما : زكريّ بياء مشددة في آخره فقط دون ألف ، وهو في هذه اللغة منصرف . ووجّه أبو علي ذلك فقال : « القول فيه أنه حذف منه الياءان اللتان كانتا فيه ممدودا ومقصورا وما بعدهما وألحق ياءي النسب » قال : « يدلّ على ذلك صرف الاسم ، ولو كانت الياءان هما اللتان كانتا فيه لوجب أن لا ينصرف للعجمة والتعريف » ، وهذه اللغة التي ذكرتها لغة أهل نجد ومن والاهم . والثانية : « زكر » بزنة عمرو ، حكاها الأخفش » . والكفالة : الضمان في الأصل ، ثم يستعار للضم والأخذ ، يقال منه : كفل يكفل ، وكفل يكفل - كعلم يعلم - كفالة وكفلا فهو كافل وكفيل .